ابن الجوزي

200

صيد الخاطر

فان بدر ما يحب في بداية شبابه فالصبوة مانعة من فهم التدبير في الالتذاذ ، والانسان في حالة الصبوة لا يدري أين هو إلى أن يبلغ ، فإذا بلغ كانت همته في المنكوح كيف اتفق ، وان تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة وانكسر في نفسه وافتقر إلى الكسب عليهم ، فبينما هو قد دعك ( في تلك المديدة القريبة ) الثلاثين ، وخطه الشيب فانفرق من نفسه لعلمه أن النساء ينفرقن منه ، كما قال ابن المعتز باللّه : لقد أتعبت نفسي في مشيبي * فكيف تحبني الخرد « 1 » الكعاب فإذا فهم المتمتع بالمستحسنات ، وخرج عن طلب صورة النكاح ، لم يجد ما لا يبلغ به المراد ، فان كسب ضاع زمن تمتعه ، وإذا تم المطلوب فالشيب أقبح قذى وأعظم مبغض . ثم إن صاحب المال خائف على ماله ، محاسب لمعامليه ، مذموم ان أسرف وان قتر ، ولده يرصد موته ، وجاريته قد لا ترضى بشخصه ، وهو مشغول بحفظ حواشيه ، فقد مضى زمانه في محن ، واللذات فيها خلس معتادة لا لذة فيها ، ثم في القيامة يحشر الأمير والتاجر ، الا من عصم اللّه . فإياك إياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم فإنما تستطيبه لبعده عنك ، ولو قد نلته برد عندك ، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف . فعليك بالقناعة مهما أمكن ، ففيها سلامة الدنيا والدين . وقد قيل لبعض الزهاد وعنده خبز يابس : كيف تشتهي هذا ؟ فقال : أتركه حتى أشتهيه . 159 - مناجاة وقع بيني وبين أرباب الولايات نوع معاداة لأجل المذهب فاني كنت في مجلس التذكير أنصر ان القرآن كلام اللّه وأنه قديم ، وأقدم أبا بكر ، واتفق في أرباب الولايات من يميل إلى مذهب الأشعري « 2 » ، وفيهم من يميل إلى مذهب الروافض وتمالئوا علي في الباطن ، فقلت يوما في مناجاتي للحق سبحانه وتعالى : سيدي نواصي

--> ( 1 ) يقال خرد وخرّد . ( 2 ) مغزى العبارة أن مذهب الأشعري من المذاهب المخالفة للسنة وليس كذلك . انظر تعليقة الفصل ( 123 ) .